عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
18
معارج التفكر ودقائق التدبر
والقسم بالقرآن المجيد قسم بآية من آيات اللّه الباهرات ، ويتوقّف إدراك هذه الآية على التفكّر والتّدبّر للوصول إلى معرفة عناصر إعجازه ، وأنّه لا يمكن أن يكون صادرا عن فرد أو جماعة من الناس ، أو عن كلّ الإنس والجنّ ، ولو اجتمعوا على ذلك ، فالقرآن آية عظمى ، وهو يستحقّ أن يقسم به اللّه عزّ وجلّ كما أقسم بظواهر آيات صفاته في الوجود . والقسم به موجّه في الحقيقة لمن هم مؤهّلون لإدراك عناصر إعجازه من أولي الألباب . فكأنّ اللّه عزّ وجلّ يقول : أقسم بالقرآن المجيد المعجز ، لأولي الألباب القادرين على إدراك عناصر إعجازه بعد التفكّر والتدبّر ، على صدق رسولي محمّد وصدق ما جاء به عنّي ليبلّغه للناس ، كما أنزلته عليه . ولهذا لم يواجه اللّه عزّ وجلّ بعد هذا القسم الكافرين بالخطاب ، بل تحدّث عنهم بضمير الغائب ، فالقسم بالقرآن المجيد لا يؤكّد في نفوسهم ، صدق الرسول في رسالته ، ولا صدق نبإ يوم الدين الذي أخبرهم به عن ربّه ، إذ لم يتفكّروا في القرآن ولم يتدبّروا عناصر إعجازه ، لكن قد يوجد فيهم مستقبلا متفكّرون متدبّرون أولو ألباب ، أو يستحثّ هذا القسم من كان منهم ذا لبّ درّاك فيتفّكر ويتدبّر ، فيكون هذا القسم مفيدا بالنّسبة إلى هؤلاء ، ويؤكّد في نفوسهم صدق الرّسول وصدق ما جاء به . * قول اللّه عزّ وجل : بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ( 2 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ( 3 ) ؟ ؟ ! بَلْ حرف إضراب ، والذي يظهر لي أنّه إضراب عن كلام مطويّ مقدّر ذهنا يدلّ عليه القسم بالقرآن المجيد « 1 » ، أي : لكنّ الّذين كفروا لم
--> ( 1 ) يعجبني في مثل هذا الإضراب بحرف ( بل ) الداخلة على الجملة قول من يعتبرها حرف -